Saturday, July 7, 2012

من هو الشخص المثقف ؟



هذا المقال منقول من كتاب فن الحياة للكاتب سلامة موسي.

مشكلة الثقافة هي مشكلة الحياة نفسها  لأننا نثقف أنفسنا كي نعيش علي أفضل مستوي / وكي نسعد بالفهم علي أوسع الميادين البشرية والكونية . ونحن نتعلم فنا أو علما كي نحترفه أو نرتزق به ، ولكن التثقيف أكبر من التعلم لأن الثقافة للحياة والرجل الذي يصل إلي أسمي مستويات الثقافة ، هو الرجل الذي يحيا الحياة المثلي ، ويفهم الفهم العام  . ولذلك يجب أن تبقي الثقافة مشكلة أبدية مبسوطة للبحث والتطور الفكري ، تتغير بتغير المجتمعات ، وترتقي بارتقاء المعارف .

ومع أني ألفت كتابا عن ( التثقيف الذاتي ) وكيف يستطيع الإنسان أن يثقف نفسه  ، فأني مازلت أجول في هذا الميدان وأحاول الاسترشاد بالشواغل الجديدة فيه ، وقد قرأت مقالا مسهبا للأستاذ دوبريه  يري القارئ هنا تلخيصا له مع بعض الإيضاحات . وعلي القارئ أن يقرأ هذا المقال وهو يسائل نفسه : ماذا عنده من هذه المعارف  التي يقول الأستاذ دوبريه  أنها ضروريه للرجل المثقف ؟
أقرأ أيها القارئ وأسأل : هل أنت مثقف أو نصف مثقف أو غير مثقف ؟


وأفهم من هذا السؤال أنك تحيا علي المستوي العالمي للحياة ، أو أنك لم تبلغ سوي نصف المسافة إلي هذا المستوي  أو أنك لا لاتحيا  تلك الحياة الإنسانية التي تسمو علي حياة الشهوات ، حياة الحيوان

لقد وضع الأستاذ دوبريه ستة شروط للرجل المثقف :-

أولا : أن يعرف التركيب الطبيعي للعالم  الذي نعيش فيه / أن يحب أن يدرس الطبيعيات والفلكيات . فيعرف المواد والعناصر التي تتألف منها الأرض  والشمس وسائر النجوم أي الشموس . ودراسة  الطبيعيات  والفلكيات  تحتوي الكيمياء وسائر القوي  التي كنا قبل خمسين  نتعلمها  منفصلة مثل المغنطيسية والكهربية  والضوء والحرارة ، أما الآن فهي تعلم معا علي أساس التركيب الذري  ، وقد ربطت المعارف الذرية هذا الكون فنحن  والشمس والنجوم سواء في المواد والعناصر .

نحن وحدة قد انفصلت أجزاؤها والسبيل إلي الوقوف علي هذه الوحدة هو دراسة التركيب الذري .
فما عندك من هذا أيها القارئ  المثقف ؟


والشرط الثاني : أن تعرف أي حيوان أنت من بين هذه الألوف من الحيوانات ، وإلي أي أسرة فيها تنتمي ؟ ثم ما هي الظروف والعوامل التي جعلت الإنسان  أنسانا ؟ وما هي الظروف والعوامل التي تعمل لبقائه أو فنائه ؟

وبكلمة أخري : هل درست تطور الأحياء في الألف مليون سنة ماضية  وعرفت  كيف تكون الإنسان  وكبر المخ وظهرت الغدد الصماء ، وماذا يربطنا بالسمك ، ولماذا فقدنا أذنابنا ؟
أنه تاريخ عظيم وحافل أذا درسته  أذدت إنسانية وعرفت قرابتك للزرافة والسمك واليمام والنعام .
فماذا تعرف من هذا التاريخ ؟






والشرط الثالث للرجل المثقف هو أن يكون قد درس الحركات الكبرى في التاريخ البشري . ونعني بذلك الحركات التي وجهت التاريخ البشري  وجهة أخري  ، أو زادت سرعته  أو فتحت ميادين جديدة للفهم . وهناك حركات ملأت التاريخ ضجيجا واشتعالا ولكن سرعان ما هدأت وانطفأت كما نري في حركة الشقي تيمورلنك أو جنكيز خان ، ولن نخسر شيئا إذا جهلناها . ولكن الحركات الارتقائية البنائية ، التي استنهضت الإنسان إلي التقدم والاقتحام والتي لا يزال أثرها باقيا تحتاج إلي دراسة  ، ومنها اكتشاف المصريين للزراعة فهو اكتشاف أو اختراع أخرج البشر من الغابة إلي التمدن . ومنها أختراع الكتابة  والذي يرجع الفضل فيه إلي المصريين أيضا ، ومنها أيجاد الدين والحكومة  والسنة والشهر والأسبوع ومنها اختراع المطبعة والآلات  ، ثم أخيرا  اكتشاف الذرة وبعد سنين حين تذهب عنا دهشة الذرة  ، سيقسم التاريخ البشري إلي عصرين : الأول عصر الجاهلية قبل الذرة ، ثم عصر الفهم بعد اكتشاف الذرة .


والشرط الرابع للرجل المثقف : أن يعرف النظم التي يعيش بها البشر  ، أي نظام المجتمع  ونظام الحكومة ، أي كيف يتزوج الناس وكيف يتصرفون بالثروة وكيف يوزعونها علي الأفراد  ، وما هي الطرق التي تتبع الارتزاق والتعلم وصيانة الصحة ، ثم كيف يحكم الناس ، وكيف تحل المحاكم مشاكلهم بالعدل أو ما يفهمونه من معني العدل ؟ بل كيف تغيرت المجتمعات البشرية ؟ وما هي الأسباب الأصيلة ، التي تجعل أحدي الأمم راكدة آمنة في حين أن الأخرى ناهضة متقدمة ؟ وهذه الأسئلة تطالبنا بدرس الاجتماع والقوانين والسيكولوجية والأنثربولوجية .


والشرط الخامس : أن يعرف الرجل المثقف أسس القيم البشرية . وهذا يحمله علي درس الأديان والفلسفات قديمها وحديثها ، شرقيها وغربيها ، يجب أن يعرف  ديانة المصريين القدماء وكيف تصوروا النعيم والجحيم ، ومبلغ ما فهموا من معني العدل .وكذلك ديانات الصين والهند وإيران ، واليونان إلي ظهور الأديان التوحيدية الكبرى .
وقريب من الأديان في الاتجاه هو الفلسفات التي حاولت بالتعقل ما حاولنه الأديان بالوحي  / وهذه الفلسفات يجب أن نناقشها بعقل مفتوح منذ سقراط وأرسطو وطاليس إلي جيمس دبوي وبول سارتر .



والشرط السادس والأخير : هو أن يدرس الرجل المثقف البلاغة البشرية أي الآداب والموسيقي والفنون الجميلة . لأن الحياة البليغة تقتضي الإحساس العميق والتصور الجميل ، بحيث نستلهم من الأدباء والفنانين أسلوبا يرقي بنا إلي أن نحيا الحياة الفنية ، فنجعل بيوتنا متاحف ، ونعامل الناس في جمال الكلمة والإيماءة ، ونتذوق روعة الشمس في الغروب  ، وإيقاع الشعر ورصانة النظم وفخامة البناء وجمال الصورة والتمثال .

وخير ما نتعرف به إلي الفنون الجميلة أن نمارسها ، وأن نكون أدباء وفنانين .


هذه هي الشروط الستة للرجل المثقف عند الأستاذ دوبريه فما عندك منها أيها القارئ ؟ وهل أنت تحيا الحياة العميقة البليغة التي يحياها المثقفون  الذين حققوا لأنفسهم هذه الشروط جميعها ؟

فإذا لم تكن كذلك فماذا تنوي أن تفعل بنفسك ، بحياتك ؟

الا تستطيع أن تسارع منذ اليوم في أن تحيا الحياة العميقة البليغة  وأن تعد البرنامج الثقافي لتحقيقها ؟


No comments: