مشكلة
الثقافة هي مشكلة الحياة نفسها لأننا نثقف أنفسنا كي نعيش علي أفضل
مستوي / وكي نسعد بالفهم علي أوسع الميادين البشرية والكونية . ونحن نتعلم فنا أو
علما كي نحترفه أو نرتزق به ، ولكن التثقيف أكبر من التعلم لأن الثقافة للحياة
والرجل الذي يصل إلي أسمي مستويات الثقافة ، هو الرجل الذي يحيا الحياة المثلي ،
ويفهم الفهم العام . ولذلك يجب أن تبقي الثقافة مشكلة أبدية مبسوطة
للبحث والتطور الفكري ، تتغير بتغير المجتمعات ، وترتقي بارتقاء المعارف .
ومع أني
ألفت كتابا عن ( التثقيف الذاتي ) وكيف يستطيع الإنسان أن يثقف نفسه ،
فأني مازلت أجول في هذا الميدان وأحاول الاسترشاد بالشواغل الجديدة فيه ، وقد قرأت
مقالا مسهبا للأستاذ دوبريه يري القارئ هنا تلخيصا له مع بعض الإيضاحات
. وعلي القارئ أن يقرأ هذا المقال وهو يسائل نفسه : ماذا عنده من هذه المعارف التي
يقول الأستاذ دوبريه أنها ضروريه للرجل المثقف ؟
أقرأ أيها
القارئ وأسأل : هل أنت مثقف أو نصف مثقف أو غير مثقف ؟
وأفهم من
هذا السؤال أنك تحيا علي المستوي العالمي للحياة ، أو أنك لم تبلغ سوي نصف المسافة
إلي هذا المستوي أو أنك لا لاتحيا تلك الحياة الإنسانية
التي تسمو علي حياة الشهوات ، حياة الحيوان
لقد وضع
الأستاذ دوبريه ستة شروط للرجل المثقف :-
أولا : أن يعرف التركيب الطبيعي
للعالم الذي نعيش فيه / أن يحب أن يدرس الطبيعيات والفلكيات . فيعرف
المواد والعناصر التي تتألف منها الأرض والشمس وسائر النجوم أي الشموس
. ودراسة الطبيعيات والفلكيات تحتوي الكيمياء
وسائر القوي التي كنا قبل خمسين نتعلمها منفصلة
مثل المغنطيسية والكهربية والضوء والحرارة ، أما الآن فهي تعلم معا علي
أساس التركيب الذري ، وقد ربطت المعارف الذرية هذا الكون فنحن والشمس
والنجوم سواء في المواد والعناصر .
نحن وحدة
قد انفصلت أجزاؤها والسبيل إلي الوقوف علي هذه الوحدة هو دراسة التركيب الذري .
فما عندك
من هذا أيها القارئ المثقف ؟
والشرط
الثاني : أن تعرف أي حيوان
أنت من بين هذه الألوف من الحيوانات ، وإلي أي أسرة فيها تنتمي ؟ ثم ما هي الظروف
والعوامل التي جعلت الإنسان أنسانا ؟ وما هي الظروف والعوامل التي تعمل
لبقائه أو فنائه ؟
وبكلمة
أخري : هل درست تطور الأحياء في الألف مليون سنة ماضية وعرفت كيف
تكون الإنسان وكبر المخ وظهرت الغدد الصماء ، وماذا يربطنا بالسمك ،
ولماذا فقدنا أذنابنا ؟
أنه تاريخ
عظيم وحافل أذا درسته أذدت إنسانية وعرفت قرابتك للزرافة والسمك
واليمام والنعام .
فماذا تعرف
من هذا التاريخ ؟
والشرط
الرابع للرجل المثقف : أن
يعرف النظم التي يعيش بها البشر ، أي نظام المجتمع ونظام
الحكومة ، أي كيف يتزوج الناس وكيف يتصرفون بالثروة وكيف يوزعونها علي
الأفراد ، وما هي الطرق التي تتبع الارتزاق والتعلم وصيانة الصحة ، ثم
كيف يحكم الناس ، وكيف تحل المحاكم مشاكلهم بالعدل أو ما يفهمونه من معني العدل ؟
بل كيف تغيرت المجتمعات البشرية ؟ وما هي الأسباب الأصيلة ، التي تجعل أحدي الأمم
راكدة آمنة في حين أن الأخرى ناهضة متقدمة ؟ وهذه الأسئلة تطالبنا بدرس الاجتماع
والقوانين والسيكولوجية والأنثربولوجية .
والشرط
الخامس : أن يعرف الرجل
المثقف أسس القيم البشرية . وهذا يحمله علي درس الأديان والفلسفات قديمها وحديثها
، شرقيها وغربيها ، يجب أن يعرف ديانة المصريين القدماء وكيف تصوروا
النعيم والجحيم ، ومبلغ ما فهموا من معني العدل .وكذلك ديانات الصين والهند وإيران
، واليونان إلي ظهور الأديان التوحيدية الكبرى .
وقريب من
الأديان في الاتجاه هو الفلسفات التي حاولت بالتعقل ما حاولنه الأديان
بالوحي / وهذه الفلسفات يجب أن نناقشها بعقل مفتوح منذ سقراط وأرسطو
وطاليس إلي جيمس دبوي وبول سارتر .
والشرط
السادس والأخير : هو أن
يدرس الرجل المثقف البلاغة البشرية أي الآداب والموسيقي والفنون الجميلة . لأن
الحياة البليغة تقتضي الإحساس العميق والتصور الجميل ، بحيث نستلهم من الأدباء
والفنانين أسلوبا يرقي بنا إلي أن نحيا الحياة الفنية ، فنجعل بيوتنا متاحف ،
ونعامل الناس في جمال الكلمة والإيماءة ، ونتذوق روعة الشمس في الغروب ،
وإيقاع الشعر ورصانة النظم وفخامة البناء وجمال الصورة والتمثال .
وخير ما
نتعرف به إلي الفنون الجميلة أن نمارسها ، وأن نكون أدباء وفنانين .
هذه هي
الشروط الستة للرجل المثقف عند الأستاذ دوبريه فما عندك منها أيها القارئ ؟ وهل
أنت تحيا الحياة العميقة البليغة التي يحياها المثقفون الذين حققوا
لأنفسهم هذه الشروط جميعها ؟
فإذا لم
تكن كذلك فماذا تنوي أن تفعل بنفسك ، بحياتك ؟


.jpg)

.jpg)


