السيد
الرئيس
أيها
السيدات والسادة
السلام
عليكم ورحمة الله
والسلام
لنا جميعا بإذن الله
السلام لنا
جميعا علي الأرض العربية وفي إسرائيل
وفي كل
مكان من أرض هذا العالم الكبير المعقد بصراعاته الدامية المضطرب بتناقضاته الحادة
، المهدد بين
الحين والحين بالحروب المدمرة ، تلك التي يصنعها الإنسان ليقضي بها علي أخيه الإنسان .وفي النهاية وبين
أنقاض ما بني الإنسان وبين أشلاء الضحايا من بنو الإنسان فلا غالب ولا مغلوب بل أن
المغلوب الحقيقي دائما هو الإنسان أرقي ما خلقه الله الإنسان الذي خلقه الله كما
يقول غاندي قديس السلام لكي يسعي علي قدميه يبني الحياة ..ويعبد الله .
وقد جئت
إليكم اليوم علي قدمين ثابتين ، لكي نبني
حياة جديدة ، لكي نقيم السلام وكل ما علي هذه الأرض أرض الله كلنا مسلمون ومسيحيون
ويهود نعبد الله ولا نشرك به أحدا وتعاليم الله ...ووصاياه.. هي حب وصدق وطهارة
وسلام .
وإني ألتمس العذر لكل من أستقبل قراري عندما أعلنت للعالم كله ، أمام المجلس الشعب المصري ، بالدهشة بل بالذهول بل أن البعض قد صورت له المفاجأة العنيفة أن قراري ليس أكثر من مناورة كلامية للاستهلاك أمام الرأي العام العالمي ، بل وصفه بعض آخر أنه تكتيك سياسي لكي أخفي نواي في شن حرب جديدة .
ولا أخفي عليكم
أن أحد مساعدي في مكتب رئيس
الجمهورية أتصل في ساعة متأخرة من الليل
بعد عودتي إلي بيتي من مجلس الشعب ، ليسألني في قلق وماذا تفعل يا سيادة الرئيس لو
وجهت أليك الدعوة فعلا فأجبته بكل هدوء : سأقبلها علي الفور...
لقد أعلنت إني سأذهب لآخر العالم سأذهب ألي إسرائيل . لأني أريد أن أطرح الحقائق
كاملة أمام شعب إسرائيل . أني ألتمس العذر
لكل من أذهله القرار أو تشكك في سلام نوايا وراء إعلان القرار فلم يكن أحد يتصور
أن رئيس أكبر دولة عربية تتحمل العبء الأكبر والمسئولية الأولي في قضية الحرب
والسلام ، في منطقة الشرق الأوسط يمكن أن
يعرض قراره بالاستعداد إلي الذهاب إلي أرض الخصم ونحن لا نزال في حالة حرب بل نحن
جميعا لا نزال نعاني من أثار أربع حروب قاسية خلال ثلاثين عام بل أن أسر ضحايا حرب أكتوبر 73 لا تزال تعيش مآسي
الترمل وفقد الأبناء واستشهاد الآباء والأخوات .
كما أني
كما سبق أن أعلنت من قبل لم أتداول في هذا القرار مع أحد من زملائي وأخوتي رؤساء
الدول العربية أو دول المواجهة... ولقد أعترض من أتصل بس منهم بعد إعلان القرار ،
لأن حالة الشك الكاملة وفقدان الثقة الكاملة بين الدول العربية والشعب الفلسطيني
من جهة وبين إسرائيل من جهة أخري ، لا تزال قائمة في كل النفوس ويكفي أن أشهرا
طويلة كان يمكن أن يحل فيها السلام ، قد
ضاعت سدي ، في خلافات ومناقشات لا طائل حول إجراءات عقب مؤتمر جنيف ، وكلها تعبر عن الشك الكامل ، وفقدان الثقة
الكاملة .
ولكنني - أصارحكم القول بكل الصدق إني اتخذت هذا القرار بعد
تفكير طويل ، وأنا أعلم أنه مخاطرة كبيرة لأنه إذا كان الله قد كتب لي قدري أن
أتولي المسئولية عن شعب مصر وأن أشارك في مسئولية المصير بالنسبة للشعب العربي
وشعب فلسطين فأن أول واجبات هذه المسئولية أن أستنفذ كل السبل لكي أجنب الشعب
المصري والعربي وكل الشعب العربي ويلات حروب
أخري محطمة مدمرة لا يعلم مداها إلا الله .
وقد اقتنعت
بعد تفكير طويل ، أن أمانة المسئولية أمام
الله ، وأمام الشعب تفرض علي أن اذهب آخر مكان في العالم.. بل أن احضر إلى بيت
المقدس ، لأ خاطب أعضاء الكنيست ممثلي شعب إسرائيل بكل الحقائق التي تعتمل في نفسي
، وأترككم بعد ذلك لكي تقرروا لأنفسكم وليفعل الله بنا بعد ذلك ما يشاء .
.
.
أيها السيدات
والسادة :
أن في حياه
الأمم والشعوب لحظات يتعين فيها على هؤلاء الذين يتصفون بالحكمة والرؤية الثاقبة أن
ينظروا إلى ما وراء الماضي بتعقيداته ورواسبه من اجل انطلاقة جسورة نحو أفاق
جديدة.
وهؤلاء
الذين يتحملون مثلنا تلك المسئولية الملقاة على عاتقنا هم اول من يجب ان تتوفر
لديهم الشجاعة لاتخاذ القرارات المصيرية التي تتناسب مع جلال الموقف ، ويجب أن نرتفع جميعا فوق جميع صور التعصب وفوق
خداع النفس وفوق نظريات التفوق البالية
فمن المهم ألا ننسي أبدا أن العصمة لله وحده ..واذا قولت اننى أريد ان أجنب
كل الشعب العربي ويلات حروب جديدة مفجعه ، فأننى أعلن أمامكم بكل الصدق ،إنني احمل نفس المشاعر
واحمل نفس المسئولية لكل إنسان فى العالم وبالتأكيد نحو الشعب الإسرائيلي.
ضحية الحرب :الإنسان
إن الروح التي
تزهق في الحرب ، هي روح إنسان ، سواء كان عربيا أو اسرائليا ..إن الزوجة التي
تترمل .. هي إنسانه من حقها أن تعيش في أسرة سعيدة سواء كانت عربية أو إسرائيلية .
إن الأطفال
الأبرياء الذين يفقدون رعاية الآباء وعطفهم هم أطفالنا جميعا . علي أرض العرب ، أو في إسرائيل لهم علينا المسئولية الكبرى في أن نوفر لهم
الحاضر الهانئ والغد الجميل ..
من أجل كل
هذا ، ومن أجل أن نحمي حياة أبنائنا وإخواننا جميعا .
من
أجل أن تنتج مجتمعاتنا ، وهي آمنة مطمئنة
...من أجل تطور الإنسان وإسعاده وإعطائه حقه في الحياة الكريمة ، من أجل مسئوليتنا
أمام الأجيال المقبلة . من أجل بسمة كل طفل يولد علي أرضنا .
من أجل كل
هذا اتخذت قراري أن أحضر إليكم – رغم كل المحاذير – لكي أقول كلمتي ..
ولقد تحملت
وأتحمل متطلبات المسئولية التاريخية ، من أجل ذلك أعلنت من قبل ومنذ أعوام
وبالتحديد في 4 فبراير 1971 ، أنني مستعد لتوقيع أتفاق سلام مع إسرائيل ، وكان هذا
هو أول إعلان يصدر من مسئول عربي منذ أن بدأ الصراع العربي الإسرائيلي وبكل هذه
الدوافع التي تفرضها مسئولية القيادة أعلنت في السادس عشر من أكتوبر وأمام مجلس
الشعب المصري ، الدعوة إلي مؤتمر دولي يتقرر فيه السلام العادل الدائم ,
ولم أكن في
ذلك الوقت في وضع من يستجدي السلام ، أو يطلب وقف النار .وبهذه الدوافع كلها ،
التي يلزم بها الواجب التاريخي ، والقيادي وقعنا أتفاق فك الاشتباك الأول ، ثم
اتفاق فك الاشتباك الثاني في سيناء . ثم سعينا نطرق الأبواب المفتوحة والمغلقة لإيجاد
طريق معين نحو سلام دائم عادل وفتحنا
قلوبنا لشعوب العالم كله لكي تتفهم
دوافعنا ، وأهدافنا ، ولكي نقتنع فعلا أننا دعاة عدل ، وصناع سلام .
وبهذه الدوافع
كلها ، قررت أن أحضر إليكم ، بعقل مفتوح وقلب مفتوح وإرادة واعية ، لكي نقيم
السلام الدائم القائم علي العدل .
وشاءت
المقادير أن تجيء رحلتي إليكم ، رحلة السلام ، في يوم العيد الإسلامي الكبير عيد الأضحى
المبارك عيد التضحية والفداء ، حين أسلم إبراهيم عليه السلام ، جد العرب واليهود . أقول حين أمره الله ،
وتوجه إليه بكل جوارحه لا عن ضعف بل عن قوة روحية هائلة وعن اختيار حر للتضحية
بفلذة كبده ... بدافع من إيمانه الراسخ الذي لا يتزعزع بمثل عليا تعطي الحياة مغزى
عميقا . ولعل هذه المصادفة تحمل معني
جديدا ، في نفوسنا جميعا ، لعله يصبح أملا حقيقيا في تباشير الأمن والأمان والسلام
.
أيها
السيدات والسادة : دعونا نتصارح ، بالكلمة المستقيمة ، والفكرة الواضحة التي لا تحمل أي التواء . دعونا نتصارح اليوم
والعالم كله بغربه وشرقه يتابع هذه
اللحظات الفريدة . التي يمكن أن تكون نقطة تحول جذري في مسار التاريخ في هذه
المنطقة من العالم ، إن لم يكن في العالم
كله .
دعونا
نتصارح ونحن نجيب عن السؤال الكبير : كيف يمكن أن نحقق السلام الدائم العادل .
لقد جئت
إليكم أحمل جوابي الواضح الصريح علي هذا السؤال الكبير ، لكي يسمعه الشعب في إسرائيل ، ولكي يسمعه العالم أجمع ، ولكي يسمعه أيضا كل أولئك الذين تصل أصوات
دعوات أصواتهم المخلصة إلي أذني ، أملا في
أن تتحقق في النهاية النتائج التي يرجوها
الملايين من هذا الاجتماع التاريخي .
وقبل أن
أعلن لكم جوابي ، أرجو أن أؤكد لكم ، أني أعتمد في هذا الجواب الواضح الصريح ، علي عدة حقائق لا مهرب لأحد من الاعتراف بها
n الحقيقة الأولي : أنه لا سعادة
لأحد علي حساب شقاء الآخرين .
n الحقيقة الثانية : إني لم
أتحدث ، ولن أتحدث بلغتين ولن أتعامل
بسياستين ولست أتعامل مع أحد ، إلا بلغة واحدة ، وسياسة واحدة ، ووجه واحد .
n الحقيقة الثالثة : إن المواجهة
المباشرة وأن الخط المستقيم هما أقرب
الطرق وأنجحها للوصول إلي الهدف الواضح .
n الحقيقة الرابعة : إن دعوة
السلام الدائم العادل ، المبني علي احترام
قرارات الأمم المتحدة ، أصبحت اليوم دعوة
العالم كله ، وأصبحت تعبيرا واضحا عن
إرادة المجتمع الدولي ، سواء في
العواصم الرسمية التي تصنع
السياسة وتتخذ القرار ، أو علي
مستوي الرأي العام العالمي الشعبي ، ذلك
الرأي العام الذي يؤثر في صنع السياسة
واتخاذ القرار .
n الحقيقة الخامسة : ولعلها أبرز
الحقائق وأوضحها أن الأمة العربية لا تتحرك في سعيها من أجل السلام الدائم العادل من
موقع ضعف أو اهتزاز ، بل أنها علي العكس تماما تملك من مقومات القوة والاستقرار ما
يجعل كلمتها نابعة من إرادة صادقة نحو السلام
، صادرة عن إدراك حضاري بأنه لكي نتجنب كارثة محققة ، علينا وعليكم وعلي
العالم كله ، فإنه لا بديل عن إقرار سلام
عادل ، لا تزعزعه الأهواء ولا تعبث به
الشكوك ، ولا يهزه سوء المقاصد أو التواء النوايا .
من واقع هذه الحقائق
، التي أردت أن أضعكم في صورتها ،
كما أراها ، أرجو أيضا أن أحذركم بكل الصدق ، أحذركم من بعض
الخواطر التي يمكن أن تطرأ علي أذهانكم .
إن واجب المصارحة يقتضي أن أقول لكم ما يلي :
أولا : أني لم أجئ إليكم لكي أعقد اتفاقا منفردا بين مصر
وإسرائيل .
ليس هذا واردا في سيادة مصر ، فليست المشكلة هي مصر وإسرائيل ، وأي سلام منفرد بين مصر وإسرائيل أو بين أية
دولة من دول المواجهة وإسرائيل فإنه لن
يقيم السلام الدائم العادل في المنطقة كلها
، بل أكثر من ذلك ، فإنه حتى لو
تحقق السلام بين دول المواجهة كلها وإسرائيل
، بغير حل عادل للمشكلة الفلسطينية فإن ذلك لن يحقق أبدا السلام الدائم
العادل الذي يلح العالم كله اليوم عليه .
ثانيا : إنني لم أجئ إليكم لكي أسعي إلي سلام جزئي ،
بمعني أن ننهي حالة الحرب في هذه المرحلة . ثم نرجئ المشكلة برمتها إلي مرحلة
تالية .
فليس هذا هو الحل الجذري الذي يصل بنا إلي السلام الدائم
.
ويرتبط هذا أنني لم أجئ إليكم ، لكي نتفق علي فض اشتباك
ثالث في سيناء .
أو في سيناء والجولان والضفة الغربية ، فإن هذا يعني
إننا نؤجل فقط اشتعال الفتيل إلي أي وقت مقبل .
بل هو يعني ، أننا نفتقد شجاعة مواجهة السلام ، وأننا أضعف من أن نتحمل أعباء ومسئوليات
السلام الدائم العادل .
لقد جئت إليكم اليوم ، لكي نبني معا ، السلام الدائم
العادل حتى لا تراق نقطة دم واحدة من جسد عربي أو إسرائيلي .
ومن أجل هذا أعلنت إني مستعد أن أذهب إلي آخر العالم .
وهنا أعود إلي الإجابة علي السؤال الكبير : كيف نحقق
السلام العادل ؟
في رأي ... وأعلنها من هذا المنبر للعالم كله . أن الإجابة
ليست مستحيلة ولا هي بالعسيرة علي الرغم من مرور أعوام طويلة ...من ثأر الدم
...والأحقاد والكراهية ..وتنشئة أجيال علي القطيعة الكاملة والعداء المستحكم .
الإجابة ليست عسيرة ولا هي مستحيلة ، إذا طرقنا سبيل الخط المستقيم بكل الصدق والأيمان .
أنتم تريدون العيش معنا في هذه المنطقة من العالم .
وأنا أقول لكم بكل الإخلاص : أننا نرحب بكم بيننا ...بكل
الأمن والأمان .
إن هذا في حد ذاته يشكل نقطة تحول هائلة ...من علامات
تحول تاريخي حاسم ..
لقد كنا نرفضكم ، وكانت لنا أسبابنا ودعواتنا ...نعم ...
لقد كنا نرفض الاجتماع بكم ...في أي مكان ...نعم ...
لقد كنا نصفكم بإسرائيل المزعومة ...نعم ...
لقد كانت تجمعنا المؤتمرات أو المنظمات الدولية ، وكان ممثلونا ولا يزالون
لا يتبادلون التحية والسلام ...نعم ...
حدث هذا ..ولا يزال يحدث
لقد كنا نشترط لأي مباحثات وسيطا يلتقي بكل طرف علي إنفراد
..نعم
هكذا تمت مباحثات فض الاشتباك الأول ...وهكذا أيضا تمت
مباحثات فض الاشتباك الثاني .
كما أن ممثلينا ألتقوا في مؤتمر جنيف الأول ، دون تبادل
كلمة مباشرة .
نعم ...
هذا حدث ...
ولكنني أقول لكم اليوم ...أعلن للعالم كله ...إننا نقبل
بالعيش معكم في سلام دائم وعادل ...ولا نريد أن نحيطكم أو تحيطونا بالصواريخ
المستعدة للتدمير أو بقذائف الأحقاد والكراهية .
ولقد أعلنت أكثر من مرة . إن إسرائيل أصبحت حقيقة واقعة
أعترف بها العالم ، وحملت القوتان العظميان
مسئولية أمنها وحماية وجودها .
ولما كنا نريد السلام فعلا وحقا فإننا نرحب بأن تعيشوا
بيننا في أمن وسلام فعلا وحقا ...
لقد كان بيننا وبينكم جدار ضخم مرتفع حاولتم أن تبنوه
علي مدي ربع قرن من الزمان ، ولكنه تحطم
في عام 1973 ، كان جدارا من الحرب النفسية
المستمرة في التهابها وتصاعدها .
كان جدارا من التخويف
بالقوة القادرة علي اكتساح الأمة العربية من أقصاها إلي أقصاها .
كان جدارا من الترويج بأننا أمة تحولت إلي جثة بل حراك
..بل أن منكم ممن قال إنه حتى بعد مضي
خمسين عاما مقبلة ، فلن تقوم للعرب قائمة
من جديد كان جدارا يهدد دائما بالذراع
الطويلة القادرة علي الوصول إلي موقع وإلي
أي بعد .
كان جدارا يحذرنا من الإبادة والفناء إذا نحن حاولنا أن
نستخدم حقنا المشروع في تحرير أرضنا المحتلة .
وعلينا أن نعترف معا . بأن هذا الجدار قد وقع وتحطم في
عام 1973 . ولكن بقي جدار آخر .
هذا الجدار الآخر
، يشكل حاجزا نفسيا معقدا بيننا وبينكم .
حاجزا من الشكوك حاجزا من النفور ، حاجزا من خشية الخداع حاجزا من الأوهام حول
أي تصرف أو فعل أو قرار ، حاجزا من التفسير الحذر الخاطئ لكل حدث أو حديث .
وهذا الحاجز النفسي هو الذي عبرت عنه ، في تصريحات
رسمية ، بأنه يشكل سبعين في المائة من
المشكلة .
وإني أسألكم اليوم – بزيارتي لكم – لماذا لا نمد أيدينا
بصدق وإيمان وإخلاص ، لكي نحطم هذا الحاجز معا ؟
لماذا لا تتفق إرادتنا ، بصدق وإيمان وإخلاص ، لكي نزيل
معا كل شكوك الخوف والغدر والتواء المقاصد وإخفاء حقائق النوايا ؟
لماذا لا نتصدى معا بشجاعة الرجال ، وبجسارة الأبطال اللذين يهبون حياتهم لهدف
أسمي ؟
لماذا لا نتصدى معا بهذه الشجاعة والجسارة لكي نقيم صرحا
شامخا للسلام يحمي ولا يهدد ...يشع لأجيالنا القادمة أضواء الرسالة الإنسانية نحو
البناء والتطور ورفعة الإنسان ؟
لماذا نورث هذه الأجيال نتائج سفك الدماء ...وإزهاق
الأرواح ، وتيتيم الأطفال وترمل الزوجات
، وهدم الأسر ، وأنين الضحايا ؟
لماذا لا نؤمن بحكمة الخالق أوردها في أمثال سليمان
الحكيم :
( الغش في قلب الذين يفكرون في الشر ، أما المبشرون
بالسلام فلهم فرح ) ، ( لقمة يابسة ومعها سلام
، خير من بيت ملئ بالذبائح مع الخصام )
لماذا لا نردد معا من مزامير داود النبي .
( إليك يا رب أصرخ ..أسمع صوت تضرعي إذا استغثت بك ،
وأرفع يدي إلي محراب قدسك ، لا تجذبني مع الأشرار
.ومع فعلة الإثم ، المخاطبين أصحابهم بالسلام والشر في قلوبهم ، أعطهم حسب فعلهم ، وحسب شر أعمالهم ، أطلب السلامة وأسعى وراءها )
أيها السادة :
الحق أقول لكم أن السلام لن يكون أسما علي مسمي ما لم
يكن قائما علي العدالة وليس علي احتلال أرض الغير .
ولا يسوغ أن تطلبوا لأنفسكم ماتنكرونه علي غيركم .
وبكل صراحة . وبالروح التي حدت بي إلي القدوم إليكم أقول
لكم : إن عليكم أن تتخلوا نهائيا عن أحلام
الغزو وأن تتخلوا أيضا عن الاعتقاد بأن
القوة هي خير وسيلة للتعامل مع العرب .
إن عليكم أن تستوعبوا جيدا دروس المواجهة بيننا وبينكم
فلن يجديكم التوسع شيئا .
ولكي نتكلم بوضوح فإن أرضنا لا تقبل المساومة ، وليست
عرضة الجدل .
إن التراب الوطني
والقومي يعتبر لدينا في منزلة الوادي المقدس طوي الذي كلم فيه الله موسي عليه السلام (ولا يملك أي منا ولا يقبل . أن يتنازل عن شبر
واحد منه ، أو أن يقبل مبدأ الجدل والمساومة عليه )
والحق أقول لكم أيضا : أن أمامنا اليوم الفرصة السانحة
للسلام وهي فرصة لا يمكن أن يجود بمثلها الزمان إذا كنا جادين حقا في النضال من
أجل السلام .
وهي فرصة لو أضعناها أو بددناها فلسوف تحل بالمتآمر
عليها ، لعنة الإنسانية ولعنة التاريخ .
ما هو السلام بالنسبة لإسرائيل ؟ أن تعيش في المنطقة مع
جيرانها العرب ... في أمن واطمئنان ...
هذا منطق أقول له نعم ..
أن تعيش إسرائيل في حدودها ،آمنة من أي عدوان ؟
هذا منطق أقول له نعم ..
أن تحصل إسرائيل علي كل أنواع الضمانات التي تؤمن لها
هاتين الحقيقتين
هذا مطلب أقول له نعم
بل إننا نعلن إننا نقبل كل الضمانات الدولية التي
تتصورونها وممن ترضونه أنتم .
نعلن إننا نقبل كل الضمانات التي تريدونها من القوتين
العظميين ، أو من أحداهما ، أو من الخمسة الكبار ، أو من بعضهم .
وأعود فأعلن بكل الوضوح أننا قابلون بأي ضمانات ترتضونها
لأننا في المقابل ، سنأخذ نفس الضمانات .
خلاصة القول إذن عندما نسأل : ما هو السلام بالنسبة
لإسرائيل ؟
يكون الرد هو أن
تعيش إسرائيل في حدودها مع جيرانها العرب ، في أمن وأمان وفي أطار كل ما ترتضيه من ضمانات يحصل عليها
الطرف الآخر .
أني أحي أصواتا إسرائيلية ...طالبت بالاعتراف بحقوق
الشعب الفلسطيني وصولا إلي السلام وضمانا له .
ولذلك فإني أقول لكم أيها السيدات والسادة أنه لا طائل من وراء عدم الاعتراف بالشعب
الفلسطيني وحقوقه في أقامة دولته وفي
العودة .
لقد مررنا نحن العرب بهذه التجربة من قبل ...معكم ...ومع
حقيقة الوجود الإسرائيلي وأنتقل بنا
الصراع ...من حرب إلي حرب ...ومن ضحايا إلي مزيد من الضحايا حتى وصلنا اليوم – نحن
وأنتم – إلي حافة هاوية رهيبة وكارثة مروعة
إذا نحن لم نغتنم اليوم معا فرصة
السلام الدائم والعادل .
عليكم أن تواجهوا الواقع مواجهة شجاعة كما واجهته أنا .
ولا حل لمشكلة أبدا بالهروب منها أو التعالي عليها .
ولا يمكن أن يسفر سلام بمحاولة فرض أوضاع وهمية ...أدار
لها العالم كله ظهره ..وأعلن نداءه الجماعي بوجوب احترام الحق والحقيقة .
ولا داعي للدخول في الحلقة المفرغة مع الحق الفلسطيني
...ولا جدوى من خلق العقبات ..إلا أن تتأخر مسيرة السلام ...أو أن يقتل السلام .
وكما قلت لكم ..فلا سعادة لأحد علي حساب شقاء الآخرين
..كما أن المواجهة المباشرة والخط المستقيم هما أقرب الطرق وانجحها للوصول إلي
الهدف الواضح والمواجهة المباشرة للمشكلة الفلسطينية ...واللغة الواحدة لعلاجها
نحو سلام دائم عادل هي في أن تقوم دولتهم .
ومع كل الضمانات الدولية التي تطلبونها فلا يجوز أن يكون
هناك خوف من دولة وحيدة وليدة تحتاج إلي معونة من كل دول العالم لقيامها ...وعندما
تدق أجراس السلام فلن توجد يد لتدق طبول الحرب وإذا وجدت فلن يسمع لها صوت .
وتصوروا معي اتفاق سلام يقوم علي :
أولا : إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية التي احتلت
في عام 1967.
ثانيا : تحقيق الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني وحقه في
تقرير المصير بما في ذلك حقه في إقامة دولته .
ثالثا : حق كل دولة
المنطقة في العيش في سلام داخل حدودها الآمنة والمضمونة عن طريق إجراءات
يتفق عليها تحقق الأمن للحدود الدولية ، بالإضافة إلي الضمانات الدولية المناسبة .
رابعا : تلتزم كل دول المنطقة بإدارة العلاقات فيما
بينها طبقا لأهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة ، وبصفة خاصة عدم الالتجاء إلي
القوة ..وحل الخلافات بينهم بالوسائل السلمية .
خامسا : إنهاء حالة الحرب القائمة في المنطقة .
أيها السيدات والسادة .
إن السلام ليس توقيعا علي سطور مكتوبة ، إن كتابة جديدة
للتاريخ .
إن السلام ليس مباراة في المناداة به للدفاع عن أية
شهوات أو لستر أية أطماع ، فالسلام في جوهرة نضال جبار ضد كل الأطماع والشهوات .
ولعل تجارب التاريخ القديم والحديث تعلمنا جميعا ، أن
الصواريخ والبوارج والأسلحة النووية لا يمكن أن تقيم الأمن ولكنها علي العكس تحطم
كل ما يبنيه الأمن .
وعلينا :
من أجل شعوبنا .
من أجل حضارة صنعها الإنسان ، أن نحمي الإنسان في كل
مكان ...من سلطان قوة السلاح .
علينا أن نعلي سلطان الإنسانية بكل قوة القيم والمبادئ
التي تعلي مكانة الإنسان .
وإذا سمحتم لي أن أتوجه بندائي من هذا المنبر إلي شعب إسرائيل
فأنني أتوجه بالكلمة الصادقة الخالصة إلي كل رجل وامرأة وطفل في إسرائيل ...أنني
أحمل إليكم من شعب مصر الذي يبارك هذه
الرسالة المقدسة من أجل السلام . أحمل إليكم رسالة السلام رسالة شعب مصر الذي لا
يعرف التعصب ، والذي يعيش أبناؤه مسلمين ومسيحيين ويهود بروح المودة والحب
والتسامح .
هذه هي مصر التي حملني شعبها أمانة الرسالة المقدسة
..رسالة الأمن والأمان والســــلام .
فيا كل رجل وامرأة وطفل في إسرائيل شجعوا قيادتكم علي
نضال السلام ، ولتتجه الجهود إلي بناء صرح شامخ للسلام ، بدلا من بناء القلاع
والمخابئ المحصنة بصواريخ الدمار .
قدموا للعالم كله ، صورة الإنسان الجديد ، في هذه
المنطقة من العالم ، لكي يكون قدوة لإنسان العصر ...إنسان السلام في كل موقع ومكان
.
بشروا أبناءكم ..أن ما مضي ، هو آخر الحروب ونهاية الآلام
وإن ما هو قادم هو البداية الجديدة ، الحياة الجديدة حياة الحب والخير والحرية
والسلام
ويا أيتها الأم الثكلى
ويا أيتها الزوجة المترملة
ويا أيها الابن الذي فقد الأخ والأب
يا كل ضحايا الحروب .
أملئوا الصدور والقلوب ، بآمال السلام ....أجعلوا
الأنشودة حقيقة تعيش وتثمر ..أجعلوا الأمل دستور عمل ونضال ...وإرادة الشعوب هي
إرادة الله ...
أيها السيدات والسادة .
قبل أن أصل إلي هذا المكان ، توجهت بكل نبضة في قلبي ، وبكل خلجة في ضميري ، إلي الله سبحانه وتعالي
، وأنا أؤدي صلاة العيد في المسجد الأقصى وأنا أزور كنيسة القيامة توجهت إلي الله سبحانه وتعالي
بالدعاء أن يلهمني القوة : وأن يؤكد يقين إيماني
بأن تحقق هذه الزيارة أهدافها التي
أرجوها من أجل حاضر سعيد ، ومستقبل أكثر
سعادة .
لقد اخترت أن أخرج علي كل السوابق والتقاليد التي عرفتها الدول المتحاربة ، ورغم
أن احتلال الأراضي العربية لازال قائما ،
بل كان إعلاني عن استعدادي للحضور إلي إسرائيل مفاجأة كبري هزت كثيرا من
المشاعر ، وأذهلت كثيرا من العقول ، بل
شككت في نواياها بعض الآراء ، برغم كل
ذلك استلهمت القرار بكل صفاء الأيمان
وطهارته وبكل التعبير الصادق عن إرادة شعبي ونواياه واخترت هذا الطريق الصعب ، بل
أنه في نظر الكثيرين أصعب طريق .
اخترت أن أحضر إليكم ...بالقلب المفتوح والفكر المفتوح .
اخترت أن أعطي هذه الدفعة لكل الجهود العالمية المبذولة
من أجل السلام ...
واخترت أن أقدم لكم – وفي بيتكم – الحقائق المجردة من
الأغراض والأوهام .
لا لكي أناور .
ولا لكي أكسب جولة ، أخطر الجولات والمعارك في التاريخ
المعاصر .
معركة السلام العادل والدائم .
إنها ليست معركتي فقط ، ولا هي معركة القيادات ، في إسرائيل
.
ولكنها معركة كل مواطن علي أرضنا جميعا ، من حقه أن يعيش
في سلام ...
إنها التزام الضمير والمسئولية في قلوب الملايين .
ولقد تسائل الكثيرون ، عندما طرحت هذه المبادرة عن تصوري
لما يمكن إنجازه في هذه الزيارة وتوقعاتي منها .
وكما أجبت السائلين ، فإنني أعلن أمامكم إني لم أفكر في
القيام بهذه المبادرة من منطلق ما يمكن
تحقيقه أثناء الزيارة وإنما جئت هنا لكي أبلغ
رسالة ألا هل بلغت اللهم فأشهد .
اللهم أني أردد مع زكريا قوله ( الحق والسلام ) .
واستلهم آيات الله العزيز الحكيم حين قال : (( قل آمنا
بالله وما أنزل علينا وما أنزل علي إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما
أؤتي موسي وعيسي والنبيون من ربهم ، لانفرق بين أحد منهم ، ونحن له مسلمون ))
صدق الله العظيم
والسلام عليكم .
